العلامة الشيخ سيدي محمد بنعزوز القاسمي الحسني: 1906 ـ 1984م.
اسمــه:
هو الإمام الفقيه المالكي، الصوفي الخلوتي، العالم العامل، الولي الصالح، سلالة العلماء والصالحين وبقية السلف الطاهرين، الأستاذ الفاضل محط الرجال الأفاضل: الشيخ محمد بنعزوز بن المختار القاسمي الحسني الهاملي الشريف، أبو عبد الله، نسبة إلى بلده الهامل، القرية التي اشتهرت بزاويتها العلمية المعروفة.
نسبـه:
هو الشيخ محمد بنعزوز بن المختار بن محمد بن أبي القاسم بن ربيح بن محمـد بن عبد الرحيم بن سائب بن منصور بن عبد الرحيم بن أيوب بن عبد الرحيم بن علي بن رباح بن أحمد بن عبد الرحيم بن عبد الكريم بن موسى بن عبد الرحيم بن عبد الله بن أبو زيـد بن علي بن مهدي بن صفوان بن موسى بن سليمان بن يسار بن سليمان بن مـوسى بن عيسى بن محمد بن عيسى بن إدريس الأصغر بن إدريس الأكبر بن عبد الله الكامـل بن الحسن المثـنى بن الحسن السبط بن فاطمة بنت رسول الله r. وينتهي نسبه بذلك إلى السلالة الشريفة الطاهرة، سلالة آل البيت رضوان الله تعالى عنهم.
أسـرتـه:
والده هو الشيخ سيدي الحاج المختار بن الحاج محمد الشريف الهاملي، العالم الفقيه الصوفي، ولـد t سنة 1284 هـ = 1867م بقرية الهامل. حفظ القرآن في حداثة سنه، ثم شرع في تعلم العلم وأخذه عن رجال بلده، فسمع من شيخه سيدي محمد بن أبي القاسم t التفسير والحديث والفقه وعلم التصوف، وعندما قدم العلاَّمة الشيخ سيدي محمد بن عبد الرحمن الديسي t للزاوية عام 1296 هـ = 1878م ألزمه أستاذه الشيخ محمد بن أبي القاسم بالعناية به والأخذ عنه والسماع منه، فكان لا يفارق مجالسه العلمية العامـة والخاصة بكمال أدب ونهاية اجتهاد. وقال عنه محليا في ترجمته له:" له في الحديث والتفسير وكلام القوم الأذواق العجيبة والأفهام الغريبة، ذو إشارات صادقة ومعارف فائقة".
وقد أجازه شيخه الديسي بإجازة نظمية، كما أجازه العلامة الشيخ أحمد الأمين t، والشيخ شعيب والشيخ المهدي الوزاني عند اجتماعه به في الجزائر، والشيخ محمد حسب الله والشيخ محمد المكي بن عزوز. ثم أخذ طريق الصوفية عن شيخه العارف بالله الشيخ الأكبر سيدي محمد بن أبي القاسم t، تلقينا وأورادا وتربية، وتخرج على يده عارفا بالله كاملا. وغلبت عليه عبادة ربه عز وجل، فكان لا يفتر لسانه بذكر الله آناء الليل وأطراف النهار حضرا أو سفرا حتى عرف بذلك، وألقى الله محبته في قلوب خلقه فكل من رآه أحبه.
كان رحمه الله تعالى متواضعا لا يرى عليه مسحة من الكبر في أي حال من الأحوال، ولم تعلم له صبوة، عفيف الإزار، محمود السيرة حليما، واسع الصدر، كريما مؤثرا لغيره على نفسه، بارا بوالديه واصلا لرحمه، عاطفا عليهم يتحمل أذاهم.
تولى التدريس بالزاوية القاسمية في حياة شيخه، كما كلفه بالإمامة في مسجد الأشراف سنة 1310 هـ= 1892م، وظل مدرسا للفقه وبقية العلوم الشرعية، كما تولى مشيخة الزاوية بعد وفاة أخيه الشيخ سيدي محمد بن الحاج محمد يوم 1331 هـ.
توفي الشيخ الحاج المختار يوم السبت 27 شعبان 1333 هـ = 10 جويليت 1915م، ودفن بضريح الشيخ محمد بن أبي القاسم بالهامل.
أما أمـه فهي الولية الصالحة كريمة بيت العلم والصلاح: السيدة فاطمة بنت الشيخ بن أبي القاسم الديسي، عرفت أيضا بصلاحها وتقواها ومحبتها للصالحين. تزوجت الشيخ المختار في بداية القرن الرابع عشر الهجري (نهاية القرن التاسع عشر الميلادي)، أنجبت له الشيخ محمد المكي والشيخ محمد بنعزوز، ومما يتداول بين أفراد الأسرة أنه ولد للشيخ المختار ولد وكبر وحفظ القرآن الكريم ومات فحزن عليه الشيخ المختار، فرأى في المنام أن لا تحزن سيخرج منك اللؤلؤ والمرجان، فولد له الشيخ المكي والشيخ بنعزوز. وتوفيت السيدة فاطمة سنة 1956م.
يمكننا تقسيم حياة الشيخ بن عزوز إلى ثلاث مراحل:
1 ـ الأولى: مرحلة النشأة والتكوين، امتدت من مولده إلى سنة 1924م.
2 ـ الثانية: مرحلة التدريس بالزاوية القاسمية. من سنة 1924م إلى 1954م.
3 ـ الثالثة: مرحلة ما بعد الزاوية القاسمية 1954 إلى 1984م: وتنقسم بدورها إلى: فترتين: فترة حاسي بحبح، وفترة عين وسارة.
1 ـ مرحلة النشأة والتكوين، امتدت من مولده إلى سنة 1924م.
ولد t سنة 1324 هـ= 1906م ببلدة الهامل، أي في بداية القرن العشرين، وهو ما يمثل بالنسبة لتاريخ البلاد توقف الحركات الثورية، انتهاء المقاومة الشعبية المنظمة وغير المنظمة، وهي فترة عرفت ركودا وجمودا، شديدين على جميع المستويات، بل بات المواطن الجزائري البسيط لا يفكر في شيء إلا في الحصول على قوت يومه.
وفي ظروف الاحتلال المقيت، فتح عينيه على أهوال الحرب العالمية الأولى التي مس أوارها قريته الهامل، وذلك بمشاركة أفراد من القرية في هذه الحرب، وعرف المجتمع الهاملي آنذاك، معاناة شديدة وظروفا صعبة.
وكانت زاوية الهامل ـ التي نشأ بها الشيخ ـ، في هذه الفترة تمثل منارة علم في بيداء الجهل والظلام، في عهد احتلال بغيض، أطبق على النفوس والأرواح والعقول بكلكله، فقيدها، وضرب على العلم والمعرفة بأسوار من حديد، جعلت الشعب الجزائري، لا ينعم بها و لا يعرف لها سبيلا، فقد حاول الاحتلال القضاء على كل مظاهر الشخصية العربية الإسلامية، من الدين، العلم، العادات التقاليد…
وهناك في هذه النقطة من الوطن الجزائري، استطاعت ثلة من الرجال العلماء الدفاع والبقاء والاستمرار، بإمكانيات بسيطة متواضعة، ولكن بإرادة صلبة قوية، استطاعت أن تبعث في هذه الدياجير المدلهمة شعاعا من نور وصل أفقه إلى بقية المناطق التي تحيط بالقرية الهادئة الوادعة، التي أضحت تنام على أحزاب القرآن الكريم، ترتل على مسامع الشيوخ، وتستيقظ على أذكار القرآن الكريم، من طرف طلبة وقفوا حياتهم على حفظ القرآن وطلب العلم بهذه المؤسسة العتيدة المجاهدة، أو كما وصفهم الأستاذ أحمد توفيق المدني:"…حفظوا القرآن حفظا متقنا ويقضون سحابة اليوم في تعلّم التفسير، الحديث، الفقه المالكيّ، التاريخ الإسلاميّ… ويعقدون مجالس المحاضرة… ويصلّون جماعة، ويردفون الصلاة بما يتلونه من أوراد ومن دعاء ثمّ يختلفون إلى حجراتهم، هذا يحفظ متنا وآخر يراجع دروسه…".
ظهر نبوغ الشيخ مبكرا، إذ أتم حفظ القرآن الكريم وأتقن تجويده ورسمه ولم يتم العقد الأول من عمره، ونشأ على حب طلب العلم والحرص عليه.
وكان أول شيوخه في العلم شيخ الجماعة بالزاوية القاسمية الشيخ العلاَّمة سيدي محمد بن عبد الرحمن الديسي، شيخ والده، فأخذ عنه متن الأجرومية وكان أول ما سمعه منه، ومتن الأزهرية ومتن القطر ومتن الألفية ثم متن الجوهرة، وهذا كله بالمسجد القاسمي، وتولى تدريسه ببيته لما لمس فيه من العناية التامة بالعلم والمعرفة، وحب الإطلاع والاستزادة، فأخذ عنه تفسير القرآن للطبري وتفسير الجلالين، ومن كتب الحديث جامع الصغير للسيوطي والشمائل للترمذي، وفي السيرة كتاب ابن هشام، كما أخذ عنه كتاب الصلاة من مختصر خليل وعلم القراءات. وتوفي شيخه سنة 1921م، وتأثر الطالب بنعزوز لذلك تأثرا كبيرا.
كما تتلمذ على الشيخين سيدي أبو القاسم القاسمي وسيدي أحمد القاسمي، فيقول عنهما: "وفي فصل الشتاء من كل عام أسمع من الشيخين أبو القاسم وأحمد فقه مالك". من هنا ندرك أن حلقات العلم كانت متعددة وكثيرة بزاوية الهامل.
وقد كان الشيخ بنعزوز من ألمع طلبة الزاوية في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى، وتمكن من العلوم الفقهية والعلوم اللغوية، والحديث والتفسير ـ وقد كتب فيه فيما بعد ـ، وذلك في ظرف وجيز جدا، وتدرج في سلم التعليم إلى أن صار أستاذا رفقة شيوخه الذين تولوا تعليمه من قبل، وهم الشيخ أبي القاسم، الشيخ أحمد القاسمي، الشيخ المكي، وكان عمره إذاك 18 سنة.
ـ المرحلة الثانية: التدريس بزاوية الهامل من 1924 إلى 1954.
بعد أن أتم تحصيله العلمي أذن له الشيوخ بتولي التدريس، فشرع في ذلك سنة 1343 هـ = 1924م وله من العمر 18 سنة. وذلك بحضور أساتذته الشيخ أبي القاسم والشيخ أحمد والشيخ المكي، وشارك مع أقاربه في تعمير المقام الهاملي.
وفي هذه المرحلة تزوج بابنة عمه السيدة الفاضلة فاطمة بنت الشيخ أبي القاسم، والتي رافقته في مسيرة حياته، لأكثر من ستين سنة، إلى وفاته 1984، ووفرت له الجو الخاص بالعلم والبحث، وهيأت له كل الظروف المساعدة على التدريس والتوجيه والإرشاد، وكانت له نعم الرفيق ونعم العون، وتوفيت بعده بثلاث سنوات أفريل 1987.
ولم تطل مدة تدريسه إذ نجده وفي سنة 1345 هـ= 1926م ينتقل إلى جامع الزيتونة لمواصلة رحلته العلمية، فألفى المستوى التعليمي فيها هو نفسه الموجود بالهامل، وهو دليل آخر على مكانة زاوية الهامل العلمية، وبالزيتونة تلقى علومه على أيدي الأساتذة الأجلاء منهم: الشيخ محمد الزغواني المالكي وأخذ عمه علم الفقه، الشيخ محمد الهادي العلاني وأخذ عنه المحلى على جمع الجوامع وكتاب الفروق للقرافي والشفا للقاضي عياض، وأخذ عن شرح الأوزاعي في الفقه الحنفي عن الشيخ عثمان الخوجة الحنفي، والتفسير عن الناصر بن الصدام، والشيخ معاوية التميمي…وغيرهم من مشايخ الزيتونة الفضلاء. مكث هناك سنة دراسية كاملة، بعيدا عن الأهل والزوج والأولاد، وكانت إقامته بمنزل الشيخ أحمد الأمين بنعزوز.
في صائفة 1346هـ= 1927، عاد إلى زاوية الهامل، مرض شيخ الزاوية الشيخ أبي القاسم ووفاته بعد ذلك، جعله يؤجل عودته إلى تونس، وبعد وفاة الشيخ أبي القاسم ألح عليه عمه الشيخ أحمد في البقاء إلى جانبه، هو ما يفسر لنا عدم عودته إلى تونس.
لم يطل عهد الشيخ أحمد إذ توفي بعد أقل من سنة من توليه منصب المشيخة، التي آلت إلى الشيخ مصطفى بن الشيخ محمد، واستقر الأمر في النهاية على البقاء مدرسا
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ